Blog
من آسيا للقارة العجوز: مفارقة ديموغرافية ترسم ملامح مستقبل القارتين
في الوقت الذي تدخل فيه آسيا الوسطى مرحلة “الزخم البشري” والنمو السكاني المتسارع، تعاني أوروبا من “خريف ديموغرافي” تمثل في شيخوخة المجتمعات وتقلص القوى العاملة.
هذا التباين الحاد سلط عليه الضوء تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، محذرًا من أن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي سيعتمد بشكل كلي على كيفية إدارة هذا التفاوت.
لغة الأرقام: نمو انفجاري مقابل انكماش مستمر
تتجه آسيا الوسطى نحو تحول تاريخي، حيث من المتوقع أن يصل عدد سكانها إلى 114 مليون نسمة بحلول عام 2050. وتتصدر أوزبكستان هذا المشهد بصفتها الثقل السكاني الأكبر في المنطقة:
-
أوزبكستان اليوم: 37.4 مليون نسمة (2024).
-
أوزبكستان 2050: توقعات بالوصول إلى 52 مليون نسمة.
-
إحصائية لافتة: مع بداية عام 2026، سجلت أوزبكستان ولادة 1815 طفلاً في يوم واحد فقط، ما يعكس الحيوية السكانية العالية.
على المقلب الآخر، يسجل الاتحاد الأوروبي معدلات خصوبة منخفضة تصل إلى 1.38 طفل لكل امرأة، وهي نسبة لا تكفي لتعويض الأجيال الحالية (معدل الإحلال المطلوب هو 2.1)، مما يضع الأنظمة الاجتماعية والعمالية في أوروبا أمام مأزق حقيقي.
النافذة الديموغرافية: فرصة ذهبية أم عبء ثقيل؟
يرى الخبراء أن آسيا الوسطى تمر بما يسمى “النافذة الديموغرافية النادرة”. فمن المتوقع دخول أكثر من 20 مليون شخص إضافي إلى سوق العمل بحلول عام 2050، ليرتفع عدد السكان في سن العمل من 50 مليوناً إلى 71 مليوناً.
رؤية أممية: تؤكد “نيجينا عباس زاده” (ممثلة UNFPA في أوزبكستان) أن هذا النمو يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فثلث السكان تحت سن 15 عاماً، مما يعني ضغوطاً هائلة على قطاعات التعليم والصحة. وتشدد على أن تحويل هذا الانفجار السكاني إلى “مكاسب اقتصادية” يتطلب استثمارات فورية في:
التعليم النوعي والتدريب المهني.
تمكين المرأة وإدماجها في سوق العمل.
خلق فرص عمل لائقة تستوعب الملايين القادمين.
التداخل بين الثقافة والاقتصاد: قصص من الواقع
لا تقتصر التحولات الديموغرافية على الأرقام، بل تحركها قناعات شخصية وتحديات معيشية:
-
النموذج التقليدي: تعبر “سايورا ماماراييموفا” عن ثقافة العائلات الكبيرة كشبكة دعم اجتماعي، مع وعيها بضرورة الموازنة بين العدد والقدرة على توفير التعليم والغذاء.
-
النموذج الحديث: تمثل “فيروزا سعيدحاجاييفا” جيل النساء الطامحات للاستقلال المالي، حيث ترى أن العائلة الكبيرة تتطلب “انضباطاً وتخطيطاً مشتركاً” وليس مجرد إنجاب.
صراع الأنماط: آسيا الوسطى مقابل أوروبا
يبرز التباين الثقافي في شهادة “إيلخوم خليملزاده” (أوزبكي مقيم في فنلندا)، الذي يشير إلى أن النمط الفردي في أوروبا يجعل من تكوين عائلات كبيرة أمراً معقداً وشبه مستحيل مقارنة بالبيئة الاجتماعية في آسيا الوسطى، وهو ما يفسر جزئياً الفجوة الديموغرافية بين المنطقتين.
بينما تبحث أوروبا عن حلول لسد فجوة نقص العمالة ودعم أنظمة المتقاعدين، تجد دول آسيا الوسطى نفسها أمام سباق مع الزمن لاستثمار ثروتها البشرية الشابة قبل أن تغلق “النافذة الديموغرافية” أبوابها.